ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
159
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وكذا كلّ أخي حذلقة * ما مشى في يابس إلّا زلق فترى أحدهم قد جمع نفسه وظنّ على جهله أنه عالم ، فيسرع في وصف كلام بالإيجاز وكلام بالتطويل أو بالتكرير ، وإذا طولب بأن يبدي سببا لما ذكره لم يوجد عنده من القول شيء إلا تحكما محضا صادرا عن جهل محض . الضرب الثاني من التكرير في اللفظ والمعنى ، وهو غير المفيد ؛ فمن ذلك قول مروان الأصغر : سقى اللّه نجدا والسّلام على نجد * ويا حبّذا نجد على النّأي والبعد نظرت إلى نجد وبغداد دونها * لعلّي أرى نجدا وهيهات من نجد وهذا من العيّ الضعيف ، فإنه كرر ذكر نجد في البيت الأول ثلاثا ، وفي البيت الثاني ثلاثا ، ومراده في الأول الثناء على نجد ، وفي الثاني أنه تلفت إليها ناظرا من بغداد ، وذلك مرمى بعيد ، وهذا المعنى لا يحتاج إلى مثل هذا التكرير ؛ أما البيت الأول فيحمل على الجائز من التكرير ؛ لأنه مقام تشوق وتحرق وموجدة بفراق نجد ، ولما كان كذلك أجيز فيه التكرير ، على أنه قد كان يمكنه أن يصوغ هذا المعنى الوارد في البيتين معا من غير أن يأتي بهذا التكرير المتتابع ست مرات . وعلى هذا الأسلوب ورد قول أبي نواس : أقمنا بها يوما ويوما وثالثا * ويوما له يوم التّرحّل خامس ومراده من ذلك أنهم أقاموا بها أربعة أيام ، ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العيّ الفاحش في ضمن تلك الأبيات « 1 » العجيبة الحسن التي تقدم ذكرها في باب الإيجاز ، وهي : ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا
--> ( 1 ) انظر الكلمة التي منها هذا البيت في ( ص 116 ) من هذا الجزء .